استراتيجية إسرائيل في سوريا

استراتيجية إسرائيل في سوريا

Israel Strategy in Syria

بقلم راي حنانيه

ليست الديمقراطية أولوية إسرائيل في سوريا، وهذا يعكس عدم وجود ديمقراطية في حقيقية في إسرائيل ذاتها.

بالتالي، فعندما خرق الطيران الحربي الإسرائيلي المجال الجوي الدولي للمرة الألف، لقصف أهداف داخل التراب السوري، لم يكن هدفهم المساعدة على إرساء الديمقراطية في الشرق الأوسط.

وكما يعلم كلّ شخص صادق، فإن إسرائيل بعيدة كل البعد عن الديمقراطية الحقيقية، وهي أقرب إلى دولة فصل عنصري، تؤسس سياساتها الاجتماعية والسياسية على أساس عرقي ودينيّ.

فما الذي تحاول إسرائيل تحقيقه بقصف ما تُسميه “أهدافا عسكرية” في سوريا، أدّت في نهاية الأمر إلى قتل الكثير من المدنيين إثر القصف الصاروخيّ غير المبرر؟

من وجهة نظر إسرائيلية أنانيّة بحتة، وهل هناك سوى الأنانية؟ تُفضّل إسرائيل أن يبقى الرئيس بشار الأسد في الحكم كديكتاتور بدل أن يأتي مكانه أحد غيره. والخيارات تتلخص في اثنين لا ثالث لهما. الأول هو جبهة عربية ديمقراطية تسعى لتحقيق الديمقراطية والحريات يوما مّا في سوريا؟ أو الثاني، وهو أن المتشددين المنتمين إلى تنظيم القاعدة والذين لهم موطئ قدم في كل بلد من بلدان الشرق الأوسط تقريبا؟

لا أحد يريد أن يجد متشددو تنظيم القاعدة موطأ قدم لهم في الشرق الأوسطـ، حيث أن متشددو تنظيم القاعدة هم أصلا نتاج مباشر للسياسات المعادية للعرب من طرف الولايات المتحدة والغرب في الشرق الأوسط، وهم تعبير عن الغضب العميق والمتجذر الذي خلّفته السياسات الغربية لدى أناس في أغلبهم عاديّون.

لقد غذّت سياسات النفاق والكيل بمكيالين في الشرق الأوسط خصوصا فيما يتعلق بإسرائيل نموّ تنظيم القاعدة وغيرها من الحركات الدينية المتشددة التي تزعم كذبا أنها تُمثّل الاسلام.

ولكن الخطر الأكبر على إسرائيل هو ظهور الديمقراطية في العالم العربي. فإذا تحول العالم العربي إلى ديمقراطية، فإن ذلك من شأنه أن يكشف زيف الديمقراطية الاسرائيلية.

تخشى إسرائيل الربيع العربي، لأن الربيع العربي يُعلي الأصوات المطالبة بالحرية في المنطقة بأكملها وليس فقط في العالم العربي، بل في إسرائيل ذاتها. وإسرائيل هي أحد أكبر البلدان قمعا في الشرق الأوسط. ورغم أن معظم المواطنين اليهود ينعمون بحريات غير مسبوقة ويتمتعون بمزايا الدولة، فإن غير اليهود يعانون فقط لأنهم من غير اليهود. وتعتدي إسرائيل على حقوق العرب المسيحيين والعرب المسلمين سواء كانوا ممّا يُسمون “مواطنين” أو ممن يعيشون في سجن الأراضي الواقعة تحت الاحتلال.

إذا لماذا تقصف إسرائيل سوريا؟ أكيد أنها لا تريد الإضرار بالديكتاتور بشار الأسد، بل لمساعدته.

إن الهجمات العسكرية الاسرائيلية على سوريا وفي خرق سافر للقانون الدولي، وهذا ليس جديدا عليها كما ذكرنا، كان لها تأثير سلبي على المتمردين الذين كانوا يسعون إلى قلب نظام بشار الأسد الديكتاتوري وتغييره بحكومة منتخبة ديمقراطيا.

لقد تمكّن الأسد من البقاء في الحكم لمدة أطول من أي هدف آخر للربيع العربي المطالب بالديمقراطية، فقط لأن إسرائيل ساعدته على البقاء. ورغم كلّ الصراخ والعويل المندد “بالكيان الصهيوني” وبسجله الشنيع لحقوق الانسان ولقمعه للفلسطينيين، لم تحرّك سوريا ساكنا لردع إسرائيل.

في الواقع، سوريا هي تماما نوع المواجهة العربية التي تحتاجها إسرائيل على حدودها. فإسرائيل تتمكن حينئذ من استخدام تعلّة سوريا لسلب المزيد من الأموال من الغرب. وإسرائيل تصرخ وتولول تماما كما تفعل سوريا، ولكن إسرائيل تحصل في المقابل على ملايين المليارات من الدولارات من الخزينة الأمريكية كما تحصل على المنظومات العسكرية الهجومية.

ولا يمكن لإسرائيل أن تستمرّ كدولة في غياب التهديد العسكري. ولا يمكنها أن تعيش في سلام. لا يُمكن لإسرائيل أن تكون موجودة إلا في حالة تواصل النزاع، وعدم الاستقرار الاقليمي وعلى حافة الحرب. أما إذا ما غابت التهديدات، سواء كانت مبالغ فيها أم لا، فلن يكون لإسرائيل سبب في البقاء. قد يستفيق دافع الضرائب الأمريكي يوما ما، ليرى إسرائيل على حقيقتها، أي دولة موجودة اليوم تمكّنت من استخدام أساليب القمع والتمييز والوحشية، بدقة وبمنهجية عالية.

إذا لم يكن لإسرائيل “أعداء” فلن يكون لها أصدقاء. لذلك تستخدم إسرائيل “التهديدات” مثل سوريا لابتزاز الدول الغربية وللحصول منها على كل ما تريده، من أموال ومن دعم سياسي دولي لأعمالها التوسعية الوحشية ضد المدنيين الفلسطينيين.

لو كان الطيران الحربي الإيراني أو السوري هو الذي انتهك المجال الجوي الاسرائيلي وقصف أهدافا عسكرية، لكانت الولايات المتحدة قد هبّت للدفاع عن إسرائيل وقامت بالحروب بدلا عنها.

ولكن بعد أن توصّلت إسرائيل إلى خلق ذلك الغطاء من التهديدات الوهمية حولها، تستطيع أن تنتهك القانون الدولي كلّما أرادت ذلك، وأن تقصف أي بلد ولأي سبب، وأن تحتفظ في نفس الوقت بالدعم المضمون لها من الدول الغربية.

بالتالي، فإن إسرائيل قصفت سوريا لمساعدة الأسد على استعادة سيطرته على سوريا ولإرباك المتمردين عليه الذين حاربوا بكل شجاعة لطرد من تسلط عليهم.

ولكن يبقى هذا درس جيد للعرب. فقبل أن يتمكنوا من إرساء الديمقراطية في عالمهم العربي، عليهم أن يفرضوا ديمقراطية حقيقية في إسرائيل، تلك الآلة العسكرية التي تُغذي حالة الضياع وعدم الاستقرار في المنطقة بأكملها.

إسرائيل تُدرك هذا جيدا. وهي تُدرك أيضا أنه بدون الأسد، سيكون من الصعب عليها أن تواصل زعمها بأنها الضحية، والحقيقة أن إسرائيل هي أكبر آلة قمعية لحقوق الانسان في الشرق الأوسط.

راي حنانيه كاتب صحفي متحصل على جوائز عديدة. اتصلوا به على موقع www.TheMediaOasis.com . تابعوه على عنوان تويتر @rayhanania



Categories: Arabic

Tags: , , , , , , , , , , , , , , , , ,

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: